الرئيسية | أوراق خاصة | ظاهرة عدم التنسيق بين الجامعة و سوق العمل في الجزائر، أين يكمن الخلل؟

ظاهرة عدم التنسيق بين الجامعة و سوق العمل في الجزائر، أين يكمن الخلل؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

أ- بلعسل محمد، جامعة المسيلة

تمهيـد:


     لا شك أن التطورات التي شهدتها البشرية في مختلف المجالات ترجع بالأساس إلى الاهتمام بالمعرفة و مراكز البحث العلمي. و باعتبار الجامعات إحدى هذه المراكز الحيوية و العصب الذي يحرك المجتمعات إلى التقدم فان مختلف الدول أصبحت تدعم الجامعات و تشركها في عملية التنمية الوطنية.
     و باعتبار الجزائر جزء من هذا العالم، فقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة من خلال الخطاب الرسمي المعلن عن جعل الجامعة الجزائرية من أولويات اهتمام الدولة بها. وهذا ما يلاحظه المرء من خلال انجاز الدولة العديد من المراكز الجامعية و الهياكل البيداغوجية و فتح المئات من مناصب الشغل بهذه الهياكل و توظيف الأساتذة و انجاز ملتقيات وطنية و دولية  و غيرها . غير انه من وجهة نظر أخرى تبدو مختلف هذه الخطابات الرسمية و الانجازات الفعلية في قطاع التعليم العالي و البحث العلمي لا تصب نحو الهدف المنشود المتعلق بالتنمية الوطنية، حيث لا يزال سوق العمل بمنظماته المتعددة لا يوظف المتخرجين من الجامعة الجزائرية و هذا الوضع افرز العديد من المشاكل الوطنية منها انتشار البطالة و الهجرة غير الشرعية للجامعيين في قوارب الموت (ظاهرة الحراقة) أو هجرة الأدمغة وكذا  زيادة حالة الشعور بعدم المواطنة و غير ذلك.


     وفق هذا السياق، يمكن أن نطرح مجموعة التساؤلات التالية : لمذا الجزائر لا توظف العلم في العمل ؟ لمذا  توجد ظاهرة عدم التنسيق بين الجامعة و محيطها الخارجي في الجزائر؟، لمذا سوق العمل بمنظماته المختلفة في الجزائر لا يستثمر مخرجات الجامعة الجزائرية و يوظفها في عملية التنمية المحلية و تحقيق الأهداف المسطرة؟ .


    للإجابة عن هذه الأسئلة المطروحة ينبغي أن نقر بحقيقة واقعة و شاملة على المستوى الكلي وهي أن الجزائر تعاني من مشكلة و خلل يتعلق أساسا بالسياسات العامة ذاتها، وان تحقيق الأهداف ترتبط بالسياسات(البرامج) في حد ذاتها، فإذا كان منهج بناء السّياسة سليما فإنّ كل ما يترتب عنه يسهل الوصول إليه و تحقيقه. فمشكلة" كيف ندير الاقتصاد بتسيير ناجع و محكم؟"(1) ، و كيف نستغل الموارد البشرية المتخرجة من الجامعات الجزائرية لبناء الاقتصاد الوطني وفق السياسات و البرامج الموضوعة هي من جوهر الإشكالات المطروحة على الساحة الوطنية اليوم .
     وبما أننا في عصر العولمة، وعصر القوة الذي تعد المعرفة احد سماته، فقد تم تقسيم موضوع البحث إلى خمسة  محاور أساسية، ويتم تناولها بدراسة تحليلية نقدية، حيث يتناول المحور الأول دور العلم في خدمة الإنسان وتطوره ، ثم يتناول المحور الثاني واقع سوق العمل في الجزائر، لننتقل في المحور الثالث الذي نتناول فيه نقد سياسة التعليم العالي، وفي المحور الرابع خصص للتكلم عن ظاهرة هجرة الأدمغة الجزائرية نحو الخارج. وفي المحور الأخير سوف نتطرق إلى احد النماذج الأسيوية التي حققت تقدما كبيرا في مجال التنمية الوطنية، وأملنا من كل ما يتم عرضه أننا نساهم بما نستطيع من معلومات للكشف عن سياسات بلدنا، وبرامج مؤسساتنا الوطنية، ومحاولة معرفة مواطن الخلل و التناقضات الحاصلة على مستوى أهم قطاع في البلاد المتمثل في قطاع التعليم العالي و البحث العلمي، الذي نحن نعد جزء لا يتجزأ منه وعلاقته بسوق العمل، وكذلك بما عايشناه من خلال تجربة الدراسة حينما كنا طلبة و ما لاحظناه و نشاهده من حالة البطالة التي تمس شريحة الطلبة المتخرجين من معاهد و أقسام مختلف الكليات التي ندرس فيها ونحن الآن أساتذة.وكذلك بما يحيط بنا من مشاكل المتخرجين من جامعاتنا الوطنية التي أصبحت عبارة عن هياكل لمحو الأمية لا غير.و انحرفت عن المسار المسطر لها المتمثل في إشراكها في عملية التنمية الوطنية.


1- عصر وضع العلم في خدمة الإنسان
      يقصد بالسياسات العامة في سياق بحثنا هذا  " مجموعة القرارات التي تتخذها الدولة بهدف حل مشكلة معينة تواجه قطاعا عريضا من المجتمع"(2)، وكون قطاع التعليم يحتوي على أهم فئة في المجتمع فانه كان " من المفروض أن تهدف برامج التعليم العالي إلى تلبية احتياجات القطاع العام و  القطاع الخاص بحيث توفر الجامعات الإطارات الكفأة و المتخصصة في مختلف المجالات العلمية إلى كل مؤسسات الدولة و تفسح لهم المجالات العلمية إلى كل مؤسسات الدولة و تفسح لهم المجالات لتقديم الخدمات إلى المواطنين في كل تخصص علمي"(3) ، فالمجتمع بحاجة إلى خدمات الجامعة و تطويره و تحقيق رفاهيته، وذلك في مختلف المجالات مثل الصحة و التربية و التنظيم الإداري و هندسة الطرقات و بناء المطارات و غيرها.فالجامعات تمثل البيئة التي تظهر فيها المواهب و تبرز فيها القدرات لدى الدارسين في مجمل التخصصات العلمية المتوفرة، و ذلك ما ينعكس بالإيجاب على المجتمع و تتحقق التنمية . فـ" حقل السياسيات العامة، هو حقل بحثي بمعنى أنه يستخدم أساليب البحث العلمي في تحسين عمليات صنع السياسات(policy making process) ومحتوى السياسات العامة(substantive public policy)"(4)، حيث كلما تم استخدام البحوث العلمية في عملية التنمية الوطنية و في  إنجاز المشاريع المختلفة انعكس ذلك بالإيجاب على توظيف الموارد بعقلانية و رشادة، و العكس صحيح. فالمرحلة الحالية المعاصرة " ترتبط التنمية بالقدرة على وضع العلم في خدمة الإنسان، والاستفادة بالمعرفة العلمية لإبداع و تطوير تقنيات لإنتاج السلع و الخدمات التي يحتاج إليها المجتمع أو التي ينتجها للتصدير للحصول على ما يقابلها من سلع يحتاج إليها من الخارج" (5).
    و بالنظر لتركيبة الدول المتقدمة اليوم نجد بأنها تقوم على مؤسسات مؤهلة بشريا و لوجستيكيا، لذلك يعتبر موضوع تنمية الموارد البشرية و تأهيل الإمكانات المادية و التنظيمية من أهم العناصر المرتبطة بتقدم اقتصاديات الدول في  العصر الحالي، حيث لا يمكننا أن نحقّق أية نتيجة إذا لم نهتم بالإنسان أو ببناء الإنسان في حد ذاته. ففي عصر العولمة أصبح التغيير هو السمة الطاغية على جميع المجالات، ويرتكز مفهوم التغيير هذا على نماذج العمل و التطوير نحو الأحسن. وبالنظر إلى آليات عمل الشركات المتعددة الجنسيات اليوم نجد بأنّ أهم شيء تعمل على توظيفه من أجل تحقيق أهدافها الربحية بسرعة هو رأس المال المعرفي. فعالم اليوم هو عالم الاستثمـار في الإنسان"Investment in human beings"، فالعنصر البشـري المؤهّل صحياً وعقلياً وثقافياً هو الطاقة الدافعة لأي مشروع اقتصادي أو سياسي أو ثقافي نحو النجـــاح والريـادة.
     إنّ طريقة توظيف المعرفة العلمية في المشاريع الوطنية هو العنصر الأشد حيوية و العامل الأقوى في تقدم الأمم و تطوّر الشعوب، وارتقاء الدول و امتلاكها لأسباب القوّة، إنّ حقائق العصر تؤكّد لنا بما  لا يدع مجالا للشك أنّ قوّة الحضارة الغربية إنمّا جاءت من التركيز على التعليم ومن الابتعاد عن معترك الصّراع السّياسي أو التنافس بين الأطراف المتطلّعة نحو تحقيق المصالح الآنية(6)، فقوة أمريكا اليوم و المجتمع الغربي تقوم أساسا على مؤسسات سياسية و اقتصادية و اجتماعية مؤهلة، و معنى ذلك أن عنصر التأهيل يرتكز على ما تقدمه الجامعات و مراكز البحث العلمي من إداريين و مهندسين و أطباء و جراحين وغيرهم ممن يتحكمون في مجالات المعرفة و التكنولوجيا و التقانة العلمية الجديدة و المتجددة يوما بعد يوم.
     إن كلا من القطاع العام و القطاع الخاص بحاجة إلى موارد بشرية مؤهلة تملك القدرة على مواكبة المستجدات المعرفية و التكنولوجية العالمية، لذلك نجد بان " الكفاءة العلمية للفرد المتخرج من الجامعة و المتكون فعليا تفرض قيمها على المركز الوظيفي ، لأنها أعلى شانا منه، و المسؤول الكفؤ يمنح مركزه الوظيفي السمو و الرفعة لإدراكه العميق للعبء و المسؤولية الملقاة على عاتقه في خدمة الدولة و المجتمع و بعده يتقاضى أجرا عن أداء مهامه الوظيفية"(7).إذن العمل في القطاع الخاص أو الوظيفة لدى القطاع العام يرتكزان على مدى الكفاءة العلمية التي يحوزها العامل أو الموظف داخل منظمته الإنتاجية أو الخدمية.
     وفق هذا السياق نجد بان البرامج التي تضعها الحكومة في قطاع التعليم العالي تهدف لرفع المستوى التعليمي للدارسين،و لخلق وظائف للمتخرجين من الجامعات الوطنية في القطاع الخاص و القطاع العام. لكن ما يلاحظه المرء في ميكانيزمات التسيير التعليمي يرى بان القطاع الخاص لا يوظف الأيدي العاملة الجامعية، وان تم الإعلان عن توظيفها فانه يضع العديد من الشروط مثل الخبرة و المستوى العالي التي قد يعجز الكثير من متخرجي الجامعة عن تحقيقها.هذه الشروط تعجز الكثيرين من المتخرجين الجدد الذين لم يسبق لهم العمل في مؤسسة إنتاجية أو خدمية من قبل عن استيفائها.بالإضافة إلى ذلك نجد بان سوق العمل في الجزائر محصور بالأساس في القطاع العام( ولايات، بلديات، دوائر، محاكم، جامعات...الخ)، فهذا الأخير  الذي تشرف عليه أجهزة الدّولة يقتصر دوره أو ينحصر في الدول المتقدمة على تقديم الخدمات للمواطنين في القطاعات الحسّاسة و التي لا يمكن الاستغناء عليها أو بيعها مثل : العدالة، الدّفاع، الأمن... في حين نجد القطاع الخاص( مؤسسات خاصة) هو الذي يقوم بالدّور الفعّال في مجال النّقل و يستثمر في المشاريع الإنتاجية و خلق مناصب العمل للموارد البشرية. وبمعنى آخر أنَّ الدولة بمفهومها المؤسَّسَاتي و السِّيادي وباعتبارها أكبر لاعب اقتصادي في ميدان التنمية الوطنية و في إعداد النُّصوص القانونية التي تنطبق على القطاع العام و القطاع الخاص، وتسطير السّياسات العامّة للدولة من طرف القيادة، بينما القطاع الخاص ينشغل بالاستثمار و الإنتاج و تقديم الخدمات للمجتمع في المجالات التي لا تنشط فيها الدولة. إنَّ هذا لا يعني وجود فصل أو فجوة بين عمل كلا القطاعين، بل بالعكس، فالقطاع الخاص هو مكمِّل للأول، ولا يسير إلاَّ بما يتوافق مع السِّياسة الوطنية المرسومة، لذلك فإنَّ كِلا القطاعين ينشطان في مجالات مختلفة، إلاَّ أنّهما يكمِّلان بعضهما البعض في شكل شراكة و تعايش هادف و متناسق محقِّقًا رشادة اقتصاديّة و جودة سياسيّة و رفاهية اجتماعيّة.
      من وجهة النظر هذه، نجد بأنَّ الجزائر هي حالة خاصَّة، إذ أنَّه منذ أن تمَّ الإعلانُ عن الانفتاح في سنة 1989م، و قيام السّلطة السّياسية بالعديد من الإصلاحات ، فإنَّنا نلاحظ وجود تناقضات و إختلالات تمس كافّة الاقتصاد الكلّي والجزئي للاقتصاد الوطني، حيث لحدِّ الآن، لم تتحدَّد العلاقة بين القطاعيـن العام و الخاص. فالمفارقة العجيبة و المتناقضة في آن واحد هي أنَّ الجزائر تعلن بأنَّنا دخلنا مرحلـة تطبيق اقتصاد السُّوق، إلاَّ أنَّنا من ناحية أخرى نجد بأنَّ الدّولة لا تزال هي المحُتكـر و اللاَّعب الرئيسي في العملية الاقتصادية.  إنَّها هي المخطِّط و المنفِّـذ، وهي التي تضع السّياسات و تشرف على العملية الإنتاجية، وبالتالي فإنَّ القطاع الخاص مهمَّش و دوره محدود، وعليه فإنَّنا نلاحظ بأنَّ سوق العمل مُشوَّه و غير واضح المعالمِ، فما هو بنظام مخطّط وذو تسيير إداري تتدخّل الدولة فيه بطريقة مباشرة كما كانت في عهد السبعينات، وما هو بنظام مفتوح وحر وخاضع لآليات السُّوق للدولة حدود في  التدخّل، بل هو خليط و مزيج بين كلا الطّرحين، مما يجعل الاقتصاد الوطني يعاني في جميع القطاعات( التّجارة، الصّناعة، الزّراعة...) من أمراض خطيرة و متتالية.


2- واقع سوق العمل في الجزائر
      بالنظر إلى واقع سوق العمل في الجزائر يلاحظ المرء أن الجزائر لا توظف العلم في العمل، وذلك يتضح من خلال أن الجامعات أصبحت " تقوم بتكديس الإطارات بدون معرفة الاحتياجات الحقيقية و التخصصات الدقيقة" المطلوبة في سوق العمل لدى القطاع العام و القطاع الخاص، وهذا ما يجعل المتخرجون من الجامعة " لا يجدون من هم في حاجة إلى تخصصهم، وتحصيلهم العلمي لا فائدة تجدي منه" (8). وعلى هذا الأساس تجد كثير من حاملو الشهادات الجامعية يعملون بكل وسعهم من اجل الظفر بمنصب شغل و توظيف المعارف التي اكتسبوها من خلال دروسهم الجامعية.غير أن ذلك لا يتحقق لان حجم الطلب عليهم قليل و توظيفهم في المسابقات المختلفة فيها معايير صعبة و غير مرضية لأكثرهم.  وهذا ما يتضح جليا حينما "كشف مدير التشغيل والإدماج على مستوى وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، أن طلبات العمل المتراكمة على مستوى الوكالة الوطنية للتشغيل كلها ملفات الشباب المحصلين على شهادات في التخصصات غير المطلوبة في سوق التشغيل بالجزائر، كالسوسيولوجيا والحقوق، وهو ما يتسبب في بقاء ملفات هؤلاء على مستوى الوكالة تنتظر لسنوات على مستوى الوكالة دون أن يعثر لهم على مناصب شاغرة أو عروض عمل، خاصة الحقوق والسوسيولوجيا، وهو ما يجعل هؤلاء الشباب يفقدون الأمل في الحصول على وظيفة رغم كونهم خريجي جامعات، ويجدون أنفسهم مضطرين للقيام بدراسات تكميلية أخرى في التخصصات العملية والاقتصادية يضيفونها إلى تخصصهم في العلوم الإنسانية والاجتماعية حتى يتمكنوا من العثور على وظيفة، لأن التوجه الحالي للبلاد هو الانفتاح الاقتصادي ودخول الشركات الاقتصادية في العالم إلى الجزائر وفتح فروع لها وظهور شركات كبرى يوميا بالجزائر في مختلف المجالات مما يستدعي التركيز على التخصصات العلمية والاقتصادية الجديدة، غير أن ما يحصل في الجامعة الجزائرية هو أنها مازالت تنتج المتخرجين في العلوم الاجتماعية والإنسانية بغزارة"(9). فمن خلال هذا التصريح يبدو أن الجزائر ليست راضية عن بعض التخصصات المفتوحة في الجامعة الجزائرية، و بالخصوص تخصصات العلوم الاجتماعية و الإنسانية. و بالتالي فان المتخرجين في هذه التخصصات لا يساهمون في عملية التنمية خاصة مع سياسة الانفتاح و التوجه نحو اقتصاد السوق المنتهجة من طرف السلطة السياسية.
     إن انتهاج الجزائر لسياسة الانفتاح فرض على الجزائر أن تغير مناهج عملها، و التركيز أكثر على التخصصات العلمية و الدقيقة. وحجة الخطاب الرسمي الجزائري في ذلك أن "  لغز بداية القرن الحادي و العشرين هو: ما الذي سوف يصبح عالمياً؟ وما الذي سوف يبقى محلياً ؟ إنّ الشيء الذي أصبح عالمياً هو آليات السّوق لتنظيم الجوانب الاقتصادية في حياتنا، وقد مهدت هذه الآليات الطريق أمام التحرير و الخصخصة، وهذا هو الشيء الذي فتح الباب أمام الاقتصاديات الجديدة في أنحاء العالم" (10)  للتنافس و غزو أسواق الدول النامية . فالعالم اليوم لم يعد مثل السابق، حيث بدخوله إلى عصر العولمة دخل عهدا جديدا، عهد الشّراكة والسّوق المفتوحة وحتمية فتح الأسواق المحلية نحو الخارج.و عليه تشترط المؤسسات الخاصة الأجنبية و الوطنية التي تعمل داخل التراب الوطني الإطارات الكفأة و الطاقات القادرة على الإبداع و التجديد المستمر ، و هذا  ما أدى إلى وجود نقص كبير في الطلب من طرف هذه الشركات والمؤسسات الاقتصادية على اليد العاملة الجامعية و عدم الاهتمام بها مما جعل "التخصصات المطلوبة بكثرة في عروض العمل هي تخصصات التجارة والمالية و العلوم الاقتصادية والإعلام الآلي، الأشغال العمومية، وبعض الخدمات مثل الترصيص" (11) .
      وفق هذا السياق نجد "الاقتصاد العالمي في جوهره يعني الأسواق المفتوحة و المنافسة. أمّا الرابحون فهم تلك الشّركات والدول التي تفهم المنافسة بشكل أفضل و تفهم أيضا كيفية تفادي الوقوع فريسة في يد القوى التي تنافسها بينما تستغل نقاط ضعف هؤلاء المنافسين وتعتبر الأخطاء شيئا مكلّفا في هذه العملية"(12). لان الخطأ في هذا النوع من العمل يؤدي إلى حدوث اختلالات تمس أهم فئة في المجتمع الجزائري و هي فئة الجامعيين و خريجي المؤسسات العلمية. وهذا ما هو واقع في حالة دولة مثل الجزائر، التي تعاني من وجود خلل يمس السياسات العامة و البرامج المنتهجة، فما ذنب الطالب الذي يحصل على شهادة البكالوريا و هو مسرور بها و يوجه إلى شعبة أدبية و تخصص في العلوم الاجتماعية، ليجد في نهاية دراسته حقيقة تقول انك أخطأت الاختيار في مسارك الجامعي و بالتالي مصيرك هو الشارع و البطالة.


3- برامج غير مؤسسة على المعرفة العلمية
     تعدّ المعرفة العلمية من آخر الاهتمامات في اتخاذ القرارات في الجزائر، حيث لا ينقص المهندسون و الخبراء، ولا تنقص الموارد المالية والمادية، ولكن الذي يخص هو " برنامج عمل واضح يهدف إلى تقديم حلول عملية للمشكلة موضوع السياسة ويمكن التعامل مع هذا الموضوع بأسلوب يغلب عليه الاتجاه العقلاني الفني أو التراكمي"(13)  حيث يمكن القول أنّ جميع الاضطرابات و الأزمات و مشاكل البطالة و التشغيل و التعليم العالي في الجزائر تنبع أساسا من " غياب السياسات الإستراتيجية للدولة في كل تخصص و استفحال الأزمات نتيجة لسياسات الترقيع والمزاجية"(14)، حيث ما يلاحظ في عملية التنمية الوطنية أنّ تأسيس السياسات التعليمية في الجزائر لا يخضع إلى الاستمرارية و الدوام، حيث يتم تطبيق برامج و فتح تخصصات تحمل بذور فنائها في بداياتها، وخير مثال على ذلك حالات عدم فتح الماستر في العديد من الجامعات الوطنية التي تجسد تطبيق نظام ال م د lmd في أقسامها مثل جامعة ورقلة و المسيلة و بومرداس و غيرها .مثل هاته الجامعات أصبحت فيها الكثير من الاحتجاجات و الاضطرابات من طرف الطلبة الذين يطالبون بفتح الماستر و إكمال دراستهم و عدم التوقف فقط في الليسانس،  لذلك نجد بأنّ عدم وضوح الرؤية العملية و غياب البعد الاستراتيجي يجعل من السّياسة التعليمية في الجزائر غير مجدية و لا تصب في تحقيق الأهداف المنشودة.
     فالسياسة التعليمية في الجزائر ليست مبنية على البعد الاستراتيجي، و دراسة احتياجات المجتمع و التخطيط لهذه الاحتياجات، و توظيف الموارد المتاحة بعقلانية و رشد، حيث ما هو متعارف عليه في شتى الأمم  أن " التعليم هو الإطار الذي يسهم في تطوير قدرات المجتمع العقلية و الفكرية، و يهيئ الإنسان للنهوض بأعباء التنمية و الاستثمار الرشيد للموارد المتاحة في تنفيذ البرامج و الخطط التنموية، وعلى هذا فان مشاريع التعليم و التثقيف الاجتماعي لا تعد مشاريع استهلاكية، بل هي من صميم العمليات الإنتاجية، لأنها تتجه لبناء الإنسان، وهو الرأسمال الحقيقي لأي مجتمع"(15)، و لأي تقدم. ونظرا لإتباع سياسة الترقيع و المزاجية من جهة، و النظر إلى بعض التخصصات الإنسانية و الاجتماعية على أساس أنها غير مطلوبة في سوق العمل فان ما زاد الطين بلة هو انتشار ظاهرة هجرة الأدمغة، التي لم تعد تقتصر على  التخصصات المنبوذة من طرف السلطة، بل حتى في التخصصات التقنية و العلمية التي تقول السلطة في الجزائر بأنها ركيزة التقدم و وجوب الاهتمام بها. فحينما تكون البرامج خاطئة و السياسات ظرفية فان النتائج تكون وخيمة و الموارد تزول و تذهب عكس التنمية المنشودة.
       إن عملية الانتقال من نظام اقتصادي إلى نظام اقتصادي آخر ليست بالعملية السهلة، حيث تقف أمام عملية التحول هذه مجموعة من العوائق و القيود. إلا أنه بالنظر إلى أدبيات الانتقال المنتهجة من طرف بعض الدول و التي أصبحت الآن تنافس الدول القوية مثل الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، كدول جنوب شرق آ سيا مثل ماليزيا ( سياسة  الدكتور محمد مهاتير) و سنغافورة( التي أصبح يطلق عليها اسم" جزيرة الذكاء " للدرجة العالية في استخدامها التكنولوجيا، أو الحكومة الالكترونية)، و كوريا الجنوبية و تايوان...الخ. لابد من التكيف مع الأوضاع الجديدة.
       فهذه الدول الآن أصبحت تخيف الدول الكبرى في مجال المنافسة و انتهاج السياسات الرشيدة التي تتبعها على المستوى الداخلي في عملية بناء اقتصادياتها و كيفية توظيف تطورات المحيط الخارجي المتمثل في مستجدات العولمة مع الموارد المتوفرة.كما أن معظم الدول الآسيوية قد نجحت في استخدام التكنولوجيا الجديدة و النظريات العلمية الحديثة وتطبيقها في مشاريع التنمية و التجارة الخارجية و غيرها لتكون الآن من أهم الدول التي حققت حكوماتها للمجتمعات أعلى مستويات التطور و الرفاهية و الاستقرار.


4- هجرة الأدمغة   
       من  أهم المساوئ التي تعيق العمل في المنظمات الحكومية الجزائرية مثل المؤسّسات و الأجهزة البيروقراطية المختلفة هي هجرة الكفاءات من القطاع العام بسبب الحوافز إلى القطاع الخاص و المؤسّسات الأجنبية، حيث تشير بعض الدراسات الحديثة بأنّ الكثير من الباحثين و كبار الخبراء في مختلف التخصّصات قد غادروا المؤسّسات العمومية إلى مؤسّسات خاصّة أو مؤسّسات أجنبية للحوافز التي تقدمها هذه الأخيرة إلى هؤلاء، وسوف نورد بعض الأمثلة عن درجة الاستنزاف و الفرار و الهروب للكفاءات  "Brain drain" التي تجعل الجزائر هي الخاسر الوحيد من هذه الظّاهرة، حيث أنّه بعد أن تتم دراستهم وتكوينهم وإسراف مبالغ و ميزانية ضخمة التي تقدّر مثلا "حسب قانون المالية لسنة 2006م بـ: 95.689.309.000 دج خاصّة لقطاع التعليم العالي، "(16)  لتنشئتهم في المؤسّسات التعليمية و المهنية و وصولهم  إلى مرحلة النضج تفقدهم ليتجهوا إلى خدمة دول أخرى، وتستفيد منهم دول أجنبية حقّ الاستفادة، وذلك نظرا  للحوافز( الأجور، المنح، العلاوات، رحلات و أسفار...الخ) المرتفعة التي تقدمها لهم هذه الدول.
       ومن بين الحالات التي يمكن الاستشهاد بها في هذا المجال هو " "مغادرة 40.000 باحث جزائري إلى الخارج مقسّمون على النسب التالية: هروب 50% أطباء و23% مهندسون و15% علماء ، قد غادروا الجزائر إلى البلدان الأوروبية بسبب أن مبلغ الأجر الذي يتقاضاه الباحث في الجزائر 500 أورو في حين يتجاوز في مثل هذه البلدان 6000 أورو في الشهر"(17). فهذا المثال يوضّح لنا مدى غياب سياسة تحفيزية في المؤسّسات الجزائرية، و شلل في سوق العمل الوطني  .
     بالإضافة إلى هذا المثال، فإنّ هناك مثال آخر يمس شركة سوناطراك التي رغم الامتيازات التي تقدّمها و الأجور التي تمنحها للعمال مقارنة بقطاعات أخرى مثل قطاع التعليم و الصّحة والأمن...الخ، إلاّ أنّه بالمقارنة مع نظيراتها الأجنبية لا تساوي شيئا. وعليه فهي الأخرى تعرف نزيفا في كوادرها نحو الشركات الأجنبية الأمريكية و الأوربية، وهذا ما يتّضح لنا من خلال ما ذكرته السّيدة "بلكحة" خلال افتتاح الأيام العلمية والتقنية السابعة لسونا طراك بوهران في إطار الأسبوع الثالث للطاقة في الجزائر، حيث قالت أنّ:
" 78 إطارا وتقنيا متخصّصين في مجال التنقيب غادروا عددا من فروع سوناطراك منذ بداية السنة الجارية  (أي 2006 م).وتتوقع أن تنتهي هذه السنة(2007م) بمغادرة 637 إطار ومستخدم في مختلف المجالات الإدارية والتقنية، في إطار التقاعد والذهاب المبكر بالنسبة للذين يمنحهم القانون حق الاستفادة من هذا النوع من التقاعد وغيرها "(18).
      وكان الأمين الوطني للاتحاد العام للعمال الجزائريين المكلف بالشؤون الاقتصادية ، "محمد لخضر بدرالدين" قد صرّح أنّ أكثر من 2000 إطار وتقني جزائري غادروا سوناطراك نحو الشركات البترولية والغازية العالمية . وفي نفس الظرف طلب وزير الطاقة والمناجم من الشركات الأجنبية العاملة في الجزائر التوقف عن استنزاف إطارات وتقنيي سوناطراك، و تعتبر الأجور التي تمنحها مؤسسة سوناطراك، خاصة الفرع الذي يشهد اكبر نسبة للهجرة و المتمثلة في التنقيب ، يدفع راتبا يتراوح بين 05 و 06  ملايين سنتيم شهريا للتقني في التنقيب الذي يشتغل في الصحراء ، مقابل 60 مليون سنتيم يتلقّاها نظرائهم الأجانب الذين يشتغلون لصالح الشركات الأجنبية في نفس الظروف (19)، في السّياق نفسه توجد " بعض الشركات المتعددة الجنسيات تمنح لمهندس يعمل لديها 25مليون سنتيم(250.000دج) مقابل 05 ملايين سنتيم ( 50.000 دج) في شركة سوناطراك كلّ شهر"(20 )، بينما تملك الشركات البترولية الخليجية نفس الصنف من التقنيين رواتب شهرية تتراوح بين ما يعادل 35 و45 مليون سنتيم شهريا . كما تعتبر طريقة التوظيف الجديدة التي عمدت إليها فروع مجموعة " سوناطراك "أحد الأسباب التي هجرتها الكفاءات، وهي الطريقة التي تعتمد على عقود العمل السنوية المتجددة . ويقول الكثير من التقنيين من الجيل الجديد الذين يشتغلون في سوناطراك  " إنّنا قبلنا ظروف العمل و الرواتب الممنوحة لنا بهدف اكتساب الخبرة ، في انتظار التنقل إلى حيث يمكننا أن نحقق كسبا أكبر في الجزائر أو في الخارج " . وكان أحد أهم القطاعات الذي تتحكم فيه سوناطراك " مهددا بالإفراغ " يتمثل في قطاع إصلاح القنوات و الذي تمنح الشركات الأجنبية للمتخصصين فيه رواتب تصل إلى 80 و 100 مليون شهريا، نظرا إلى حساسية هذا التخصص و مخاطره"(21) .
       وفي هذا المجال يرى الكاتب " أنطوان زحلان"  أن" هجرة الكفاءات و نقل التكنولوجيا والمعلومات و التنمية الاجتماعية و الاقتصادية تدور جميعها على التعلم"(22 )، الذي بدونه لا يمكن الحديث عن أية تنمية اقتصادية. فالجزائر من خلال تعاملها مع الدول الأجنبية نجد بأن النمط السائد هو طراز الصفقات التي لا تنطوي على نقل للتكنولوجيا بل تسفر عن إقامة مشروعات الإنتاج الجاهز و تسليم المفتاح. ولما كان المقاولون الرئيسيون من الأجانب عامة، ولما لم يكن للدول العربية ( التي تعد الجزائر واحدة منهم ) من سياسات تكنولوجية تنتهجها، فإنّ هذه المشاريع لا تتيح للمهندسين و العلماء إلاّ القليل من فرص العمالة، و إن كانت الأنشطة الجارية تنطوي على استخدام القوى البشرية من المهنيين بأعداد غفيرة، إلا أن الاضطلاع بها يتم بطريقة تنخفض فيها الفرص المتاحة محليا لتطوير المؤسسات الوطنية إلى الحد الأدنى،  بحيث يغلب الاعتماد على البحث والتطوير الأجنبيين، وعلى شركات الهندسة و الاستشارات الأجنبية، وبعبارة أخرى لا يقوم أي ترابط متبادل بين نظام التعليم العالي و التطبيقات الإنمائية(23).
       إنّ عدم وجود ترابط و تنسيق بين مؤسسات التعليم العالي و المشاريع التنموية أو احتياجات المؤسسات الإنتاجية، هو أحد المشاكل الرئيسية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني الجزائري، فمشكل البطالة التي تعرفها الجزائر اليوم نابع من هذه الحالة، حيث نجد أن آلاف الطلبة المتخرجين من الجامعات وفي سن العمل يعانون التهميش و غير مستغلين في التنمية الاقتصادية، ممّا يساهم في هجرتهم إلى خارج الوطن وعدم التفكير في الرجوع إليه مرة ثانية.
      وعلى هذا الأساس يمكن القول و الذي تشاطرنا الرأي فيه الدكتورة " فاطمة الزهراء أفريحا" أنّ الشيء الذي يساهم في هجرة الأدمغة و الذي يجعل البيئة الاقتصادية غير محفزة هو " طبيعة السّلطة داخل المؤسّسات"(24)، وعن هذه الحالة تقول:
                 شهدت الجزائر في أعقاب الاستقلال حركة صعود إلى أعلى لطبقة كاملة من الموظفين المهنيين إلى مناصب عليا في السلطة لملء الفراغ الناجم عن رحيل الفرنسيين، بالرغم من بعض هؤلاء الموظفين كانوا يفتقرون إلى المهارات الفنية والتنظيمية و الإدارية التي تتطلبها وظائفهم الجديدة، ومع ذلك بدأ هنا الهيكل الجديد للسّلطة يتبلور سريعا، وجاهلا الذين حصلوا على المناصب من اجل بقائهم فيها بكل وسيلة ممكنة، وبذلك عمدوا ـ عن قصد أو غير قصد ـ إلى سد سبل الترقية أمام الذين يقفون وراءهم في السلم الوظيفي، وخاصة أولئك الأصغر سنا و الأفضل تدريبا منهم، وقد نتج عن ذلك طبعا شعور بالاستياء أدى بدوره إلى حركة تنقل واسعة على المستوى الأفقي بين جيل الشباب، وفي نطاق هذا الإطار، عمل التعاون الفني الخارجي كستار واق لمصلحة الإبقاء على المواقع المكتسبة أو حتى تعزيزها، ويحاول الموظفون الذين يتحصنون في المناصب العليا تبرير ذلك بالحديث عن النوعية " الضعيفة" لخريجي مؤسسات التدريب الوطنية، وهذا الادعاء زائف بشكل واضح و الدليل على ذلك هو السهولة التي يلتحق بها هؤلاء و يندمجون في أرقى المعاهد العليا و المؤسسات التعليمية الأخرى في البلدان المتقدمة، ومن ثم في صناعات هذه البلدان. إنّ استحالة الوصول إلى مراكز المسؤولية أو على الأقل إلى مراكز تتناسب مع مستوى التدريب الذي بلغته هذه  الكوادرـ الأفضل من حيث التدريب و لكنها مبعدة ـ هو السّبب فيما تشعر به من إحباط يتبدى في طلباتها الملحة من أجل زيادة الرواتب، أو في الحالات القصوى في فقدان الاهتمام و الانسحاب من العمل أو المؤسّسة و الهجرة في نهاية الأمر"(25 ).
      إنّ سيرورة السّياسة الاقتصادية و مدى العلاقة بين الدولة و السّوق كرس هيمنة السلطة التنفيذية على كافة الإصلاحات الاقتصادية، وجسد الحضور القوي للدولة للعب أكثر في ميدان السوق، ولكن هذا الحضور يعكس بعدها عن الرشادة في التسيير و المحافظة على استقرار نشاط القطاع الخاص. فدخول الجزائر إلى اقتصاد السّوق دون أية إستراتيجية بعيدة الأجل و واضحة جعل الدولة تتخبط في طريق غير واضح المعالم، فغياب سياسة و مشروع وطني متفق عليه من طرف الخبراء والعلماء و أهل التدبير في المجال الاقتصادي من طرف السلطة جعل الاقتصاد الوطني يعرف تردي كبير في كافة مستوياته الكلية و الجزئية.
     فرغم ما حققته الجزائر من إيجابيات في إطار مناصب الشغل و السكن و غيرها إلاّ أنّ هذا يدعو للاستنتاج أنّ الإصلاحات الاقتصادية لا زالت تحتاج إلى دراسات و خبرات دقيقة و هادفة، و بمعنى آخر أنّه " ليست هناك خارطة طريق واضحة لهذه الإصلاحات و لا خطة وطنية للتنمية و التداعيات التي نلاحظها اليوم على عالم الشغل و مدى تنافسية مؤسّساتنا الاقتصادية و التردي المستمر لمنظومة التكوين و تراجع مستوى التسيير خير دليل على وضع صعب تعيشه الجزائر"(26).
     وبالنظر إلى لغة الكم و إلى بعض المؤشرات الإحصائية التي تصدر من طرف السلطة السياسية   و بعض الهيئات الرسمية، نجد أن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة قدّم لنا في خطاب له عن حصيلة أعماله طيلة السنوات الأولى التي حكم فيها البلاد قائلا:" إن نسبة النمو الاقتصادي تجاوزت 05% بعدما كانت لا تتعدى 02%..وأنّ معدّل البطالة انخفض إلى 17%.."(27)
     النسب المشار إليها آنفا لا تعبّر فعلاً عن انطلاقة حقيقية  للاقتصاد الوطني نحو الأحسن و إقلاعا مباشرا للتنمية المحلية. رغم انخفاض مستوى البطالة و الزيادة المعتبرة للنمو الاقتصادي. إنّ ما يلاحظه المرء أنّه توجد بطالة مقنّعة، أي أنّ النسب المعبر عنها لا تكشف حقيقة الوضع الذي تعيشه الأيدي العاملة المتخرجة من المعاهد و الجامعات الجزائرية، فعدم التنسيق بين القطاع العام المكلف بالتعليم و التكوين و القطاع الخاص الإنتاجي من أهم الظواهر المنتشرة و المساهمة في خلق أمراض للاقتصاد الوطني.
      وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ الإصلاحات الاقتصادية التي تنتهجها الدولة في مجال الشغل و التعليم  بما نلاحظه في الواقع " أشبه بوضع نصف كلب، نصف ذئب، حيث لم تعد هناك برامج اقتصادية، ولكن هناك مشاريع اقتصادية فقط، تتغير مع تغيّر الحكومات"(28)، فتغير الحكومات و تغير البرامج خلق صعوبة التنسيق بين القطاعين العام و الخاص.كما أنّ عملية التنسيق بين القطاع الحكومي و منظمات القطاع الخاص غائبة و ليست لها أي اهتمام من طرف السلطة في الجزائر.


5- تجربة ماليزيا و أخذ العبرة منها
      بالنظر لما يدور حولنا في البيئة الخارجية، نلاحظ أنّ بعض الدول الآن انتقلت من مرحلة المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعرفة، ومن أمثلة دول العالم الثالث التي عرفت كيف  تتعامل مع ظاهرة العولمة و تحسِن توظيف التكنولوجيا و الاستفادة من الثورة المعرفية الموجودة في الدول المتقدمة، نجد دولة " ماليزيا " التي تعد دولة في غاية النجاح حتى الآن . فهذه الدولة استطاعت في بضع عقود أن تحتل الصدارة في التجارة الخارجية و التنمية المحلية، و الفضل في ذلك يرجع إلى أحد القادة الممتازين هو الدكتور "محمد مهاتير" الذي عرف كيف يتأقلم مع ظاهرة العولمة بما يخدم المجتمع الماليزي. و جعل التربية و التكوين والصحة كأولويات في برنامج الحكومة.
     إنّ القادة إذا درسوا طبيعة المجتمع وعرفوا تركيبته يصبحون مثل الطبيب المتخصّص الذي يعرف سر المرض، وهذا ما ينطبق على الرجل الدكتور " محمد مهاتير"، الذي كان يتقلّد منصب رئيس الوزراء في ماليزيا. يمكن القول أنّ سر نجاح هذه الدولة يكمن في" إتباع سياسة اقتصادية سليمة معتمدة على قرار سياسي( قيادة سياسية)  وعدم تبعيتها للغرب" (29) . ونظرا لإتباعها سياسة اقتصادية حصيفة, فإنّ شعار التنمية الذي أطلقته حسب الأستاذ " بشير صوالحي"  الذي يُد?رس في إحدى جامعاتها  هو " التنمية بالإيمان"(30 ) . وبما أنّ طبيعة المجتمع الماليزي متمسّك بالدين الإسلامي فقد قام بأسلمة المناهج العلمية و المؤسّسات التعليمية و أسلمة المجتمع. وما يهمنا في مجال بحثنا هو النتائج التي حققتها هذه السّياسة الاقتصادية القائمة على دولة المؤسّسات لا دولة الأفراد. و عليه فإنّ من بين نتائج و مؤشّرات نجاح هذا النموذج يمكننا الإشارة إلى ما يلي:
?    ماليزيا اليوم تحتل المرتبة 17 عالميا في الإنتاج الصناعي.
?    هي أول دولة منتجة لزيت النخيل عالمياً.
?    ثاني دولة منتجة للمطاط و الخشب في العالم.
?    أول دولة منتجة في الصناعات التركيبية (قطاع الغيار، ...).
?    أول دولة منتجة لنوع من السّيارات التي توزّع في حدود 52 بلد في العالم.
?    تحتل المرتبة السابعة عالميا في السّياحة( خاصة السّياحة الإسلامية)، فتستقطب حوالي 20مليون سائح سنويا.
?    3000 شركة أمريكية تعمل في ماليزيا.
?    23% من الصادرات الماليزية تذهب إلى أمريكا. 
?    دولة تحترم الحريات و الديانات الأخرى و تكرّس العدالة الاجتماعية.(31 )


     فمن خلال هذه النتائج يتبين لنا أنّ التعاون مع الدول المتقدّمة اليوم ليس بالضرورة شيء يجلب التبعية و الاتكال على الغير، بل إذا وجدت القيادة السّياسية التي تعرف كيف توظف ثورة المعارف و تكنولوجيا المعلومات وتنفيذها في الواقع من طرف مؤسّسات وطنية مؤهّلة وأناس بيروقراطيين يمشون بذهنية التغيير و التجديد فإنّ أكبر نتيجة تحقّقها الدولة هي تمتين الثقة للمواطنين في مؤسّسات دولتهم التي بدونها لا يمكن الحديث عن أي تنمية أو إصلاح أو تقدّم.
      إنّ " الاستفادة من الفرص المتنوعة و المتعدّدة للعولمة تستدعي إعطاء الأولوية لتكوين رأس مال بشري و تطوير الاستثمار في البنية التحتية لأنّه من غير الممكن تحقيق الاندماج في الاقتصاد العالمي دون امتلاك بنية تحتية صلبة وعصرية"(32) تعتمد على أفراد مؤهلين ومكونين ومتدربين تدريبا جيدا.
    تحتاج عملية تأهيل الموارد البشرية إلى ميزانية خاصة، لذلك نجد أنّ الدول المتقدّمة والدول التي تقدّس العلم و روح المعرفة أنّها تخصّص ميزانيات كبيرة إلى الجامعات و مراكز البحث العلمي من ميزانياتها العامة ( فدولة ماليزيا مثلا تقدر النسبة المخصّصة للبحث العلمي 5‚10%، الجزائر01 %!)، فالجامعات هي البيئات التي تظهر فيها المواهب و الابتكارات و هي المراكز التي تخلق منها برامـج الإبداع و أنماط التجديـد.
      وفي هذا الإطار أصبحت الجامعات الجزائريـة اليوم مراكز تمنح الشهادات و الطلبة البطّالين، حيث أنّه بالرغم من وجود العديد من المشاريع العلميـة الجديدة إلاّ أنّها غير مطبّقة. فحسب السّيدة الوزيرة المنتدبة المكلّفة بالبحث العلمي في الجزائر " بن جاب الله سعاد " أنّه بحوزة وزارتها 7000 مشروع بحث نفذ منها فقط  300 مشروع سنة 2005م، كان أهمها بحث في الأرطوفونيا وآخر حول الفراولة وهما الآن تحت تصرف المستهلكين، واعتبرت الوزيرة أنّ المشكلة في الجزائر تكمن أساسا في وجود بحوث و غياب من يستهلكها ، ذلك أنّ المؤسّسات الوطنية العامة أو الخاصة ما زالت تعتبر البحث العلمي ثانويا في نشاطها (33)  .  
      في الحقيقة أنّه رغم الكم الهائل من مثل هذه البحوث فإنّ التأهيل لا يعني فقط إنجاز البحوث ووضعها على الرفوف أو تقديمها في حفلات، فإنّه يعني كذلك الجانب الميداني أي جانب التطبيق الفعلي لمشروع البحث على أرض الواقع. صحيح أنّ مشروع البحث أو" الشهادة الجامعية تحظى بقيمة علمية نظرية كبيرة، ومن حق الحاصل عليها أن يفتخر و يعتز بمستواه العلمي المرموق. لكن من الناحية الواقعية، أنّ الحاصل على الشهادة الجامعية لا يستطيع أن يفيد مجتمعه كثيرا في أية وظيفة مهنية تتطلب تجربة و خبرة ومهارة عملية تستفيد منها المؤسّسات المهنية التي تخدم المواطنين "(34).
 

 

   خلاصة
      من خلال ما سبق نستطيع القول أنّ عصر العولمة الذي يتميز بـ " الفورية(السرعة) و الوفرة (وفرة العرض) و اللاّوسيط و اللاّحدود و الشعبية بدل الخطية "(35) تحتاج فيه المؤسّسات إلى قوى عاملة مدربة و مكوّنة  في الميدان لا على السبورة، أي" التعليم بالممارسة Learning by doing  أو التعليم الذاتي بالممارسة في الميدان الصناعي"(36).فالإدارة الماهرة هي التي تملك قيادة فاعلة و فريق عمل ناضج من أجل تحقيق الأهداف، فالمنافسة تتطلب جودة الإنتاج و نموذج عمل قائم على المعرفة و التمرين.

 

 

مراجع  البحث:
1)- سعاد ع ، " في ظل تحسن الوضعية المالية الحكومة تؤجل خوصصة المؤسسات الكبرى"، جريدة الخبر، السنة السابعة عشرة، العدد 4874، ( ديسمبر)2006م، ص 13.
2)-  احمد دسوقي و محمد إسماعيل، أصول تحليل السياسات العامة. القاهرة: مركز دراسات و استشارات الإدارة العامة، 2009، ص37.
3)- عمّار بوحوش، نظريات الإدارة الحديثة في القرن الواحد و العشرين. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2006م.ص142.
4)-  مصطفى الحسين احمد، مدخل إلى تحليل السّياسات العامة. عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،2002، ص281.
5)- إبراهيم سعد الدين عبد الله، " دور الدولة في النشاط الاقتصادي: قضايا عامة و نظرة مستقبلية"، مجلة المستقبل العربي، العدد 127، السنة 12، ( سبتمبر)1989م، ص29.
6)- عبد العزيز بن عثمان التو يجرى، العالم الإسلامي في عصر العولمة. بيروت: دار الشروق، 2004م، ص33.
7)- صاحب الربيعي، دور الفكر في السياسة و المجتمع. دمشق: صفحات للدراسة و النشر، 2007، ص 62.
8) – بوحوش، مرجع سابق، ص142.
9)- ليلى شرفاوي، " مدير التشغيل بوزارة العمل: هناك تخصصات بالجامعة غير مطلوبة في سوق العمل إسقاط بطاقة الإعفاء من الخدمة الوطنية من ملفات تشغيل الشباب" نقلا عن : http://www.ahlabaht.com/6531231209 2009.10.20)
10)- - جون نايبسيت، "من الدولة القومية إلى الشبكات"، دراسات مترجمة، إعادة التفكير في المستقبل، . أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات و البحوث الإستراتيجية، 2004م، ص 266.
11)- شرفاوي، مرجع سبق ذكره.
12)- آل ريس و جاك تروت، " التركيز في عالم مبهم"، دراسات مترجمة، إعادة التفكير في المستقبل. أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات و البحوث الإستراتيجية، 2004م، ص219.
13)- - مصطفى الحسين، مرجع سابق، ص256.
14)-  بوحوش، "نظرا للخلل في السياسات العامة هل يمكن الفصل بين السياسيين و المختصين؟ "، جريدة الشروق اليومي، 24سبتمبر 2005م.
15)- سلطان بلغيث، " مرتكزات النهوض التنموي في العالم العربي" في : الحكم الرشيد و استراتيجيات التغيير في العالم النامي.جامعة فرحات عباس بسطيف، بحوث أوراق عمل الملتقى الدولي المنعقد يومي 08-09/افريل/2007، الجزء الاول، ص302.
16)- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية، السنة الثالثة و الأربعون, العدد 85، 27- 12- 2006م، المتعلق بقانون المالية، ص34.
17)-Mohamed Belkacem et hassan Bahloul, " 40000 chercheurs  Algériens a l' étranger", le point Economique Algérie,(Alger), N56,( Décembre) 2006,p.05
18)- ل بوربيع، "  إجراءات تحفيزية جديدة في الأفق هاجس هجرة الكفاءات يهدد سونا طراك"، جريدة الخبر، السنة السابعة عشرة، العدد 4873، (ديسمبر) 2006م، ص02.
19)- نفس المرجع و نفس الصفحة.
20)- Seddik lardjame, " Le Marché des compétences menace sur Léentreprise publique ",", le point Economique Algérie,(Alger), N56,( Décembre) 2006,p

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.00