الرئيسية | {دراسات سياسية متخصصة} | دراسات أمنية | الإشكاليات الجديدة للأمن في المتوسط

الإشكاليات الجديدة للأمن في المتوسط

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
(*): أستاذ محاضر في العلوم السياسية (جامعة الجزائر) و المعهد الديبلوماسي و العلاقات الدولية (وزارة الخارجية) مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية -الجزائر- (*): أستاذ محاضر في العلوم السياسية (جامعة الجزائر) و المعهد الديبلوماسي و العلاقات الدولية (وزارة الخارجية) مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية -الجزائر-

يشكل البحر الأبيض المتوسط احد المجالات الجيواستراتيجية الأكثر حساسية في العلاقات الدولية، ليس فقط لتوسطها ثلاثة قارات (أوربا و شمال إفريقيا و غرب آسيا) و لكن بالأساس لكونها معبر يصل المحيط الهندي بالأطلسي. كما يشمل أيضا خطا بحريا للنفط القادم من الخليج لأوربا و أمريكا الشمالية .... فهو الشريان الحيوي للتجارة الدولية ... خاصة وانه كان دوما كذلك مع انه حوض امتاز بالصراعات و الحروب و التنافس و التعاون أيضا .



      لقد حظي البحر الأبيض المتوسط مكانة متميزة مع بداية القرن العشرين بعد أن أصبحت قناة السويس عملية مما جعل البحارة ينتقلون عبرها بدل من الدوران عبر رأس الرجاء الصالح.  كما كان هذا الحوض مجالا للتنافس ن في ظل الحرب الباردة، بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي التي تنافستا حول هذه المياه الدافئة بشكل يجعل عدد من المفكرين الاستراتيجيين يعتبرون هذه المنطقة و ما حذاها قلب العالم النابضStrategic heartland  .

       إلا انه مع نهاية الحرب الباردة و اندثار الكتلة الاشتراكية و تفكك حلف وارسو ثم انقرض الإتحاد السوفيتي تحول النظر من الخطر الشيوعي الأحمر إلى محاولة البحث عن بدائل،  لان الاستراتيجيات الدفاعية تمقت الفراغ Defence strategies abhor vacuum  . فما كان إلى أن يتحول النظر أكثر نحو الجنوب . فما هي هذه التهديدات و كيف تم التعامل معها؟
 

*الخطر الأخضر و الأمن في المتوسط :

      أكد اجتماع قمة الحلف الأطلسي اقل من سنة (1990) بعد سقوط جدار برلين على تبني مذهب استراتيجي جديد New   Strategic Conceptبلندن حيث اقر على أن سقوط الشيوعية تقتضي تحويل وظيفة الحلف من احتواء القطب المنهار إلى إيجاد ادوار جديدة متعلقة أكثر بحفظ السلم عبر العالم،  مع الأخذ بعين الاعتبار مختلف التهديدات أو التحديات الأمنية البارزة أو الكامنة .... لأنه لا يمكن الوقوف ساكنا في عالم يبحث عن ذاته الإستراتيجية  .... و استطاع الأمين العام الجديد للحلف ويلي كلايس بالإقرار علنية بأنه مع نهاية الحرب الباردة و زوال القطبية الثنائية و انتهاء التهديد الشيوعي فان اكبر مهدد للأمن الدولي عموما و لأمن الحلف الأطلسي هو تنامي الظاهرة الأصولية الإسلامية خاصة مع انتشار الحركات و الجماعات الإرهابية في الجزائر و مصر بالخصوص.  و هذا بالاضافة إلى احتمال سقوط بعض الأنظمة السياسية في فوضى اسلاموية قد تهدر الأمة برمتها أو إمكانية اكتساب ليبيا لأسلحة الدمار الشامل خاصة الكيماوية و البيولوجية أو اكتسابها لقوة باليستية قد تهدد العواصم الأوربية .

    فمن اجل احتواء هذا الخطر المحدق Eminent threat أطلق الحلف مبادرته للحوار المتوسطي مع 06 دول و هي (موريتانيا و المغرب و تونس و مصر و إسرائيل و الأردن) في إطار المادة الرابعة من  ميثاق واشنطن 1949 و الخاصة بالتعاون غير العسكري و غير المرتبط بالأمن الجماعي للدول الأعضاء بهدف بناء الثقة العملياتية بين دول الضفتين للمتوسط عن طريق الحوار السياسي و تبادل الزيارات العسكرية و تكوين الإطارات العسكرية لدول الجنوب في الحلف و المناورات المشتركة الهادفة لخلق توافق عملياتي بين الجيوش Interoperability .

    و مع تنامي الظاهرة الإرهابية في الجزائر خاصة مع قتل الرعايا الأجانب، اختطاف طائرة الخطوط الجوية الفرنسية و إحداث عدد من التفجيرات في باريس من طرف الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية،  تزايدت الدعوة لخلق اطر عملية للتحكم في الظاهرة الإرهابية قبل أن تنفلت.  و ذلك من خلال تنشيط منظمة غرب أوربا و إنشاء الحوار السياسي –الأمني بين مجموعة 5+5 لذي سرعان ما تحول فعليا لمنبر نشط لإيجاد الحلول المناسبة للازمات المشتركة .

     من جهتها، و من اجل احتواء المصادر البنيوية للعنف من عجز تنموي و ضعف في الديمقراطية، بادر الاتحاد الأوربي من خلال مؤتمر برشلونة 1995 بأرضية لشراكة اقتصادية و تجارية و لكن أيضا بالتعاون على نشر قيم الديمقراطية و حقوق الإنسان و الحكم الراشد ... تفاديا لوجود العناصر المكونة للعنف حسبهم.  و ذلك على الرغم من استمرار تغاضي الاوربين لنداءات الجزائر بضرورة غلق المنافذ الخلفية للجماعات الإرهابية التي تتخذ من العديد من الدول الأوربية معقلا لها للقيام بعمليات التمويل  و التموين و الدعاية ...وهذا ما خلق تطرفا داخليا في أوربا ذاتها كما أظهرتها أحداث تفجيرات لندن التي كانت مكونة من أشخاص بريطانيين المولد . و لم يكن للغرب إن يتحرك بتشريعات وقوانين داخلية و إقليمية لمكافحة الإرهاب إلا بعد أحداث 11/09/2001 بنيويورك وواشنطن و ما تلاها من أحداث إرهابية في عديد العواصم الأوروبية .


*الأخطار اللاتماثلية في المتوسط:
 

     يجمع دارسي المعضلات الأمنية بتنامي التهديدات غير العسكرية أو الصلبة من جريمة منظمة و هجرة سرية ، تبيض للأموال،  قرصنة بحرية،  تلوث بيئي ....و إرهاب .   و البحر الأبيض كمنطقة تماس بين شمال متقدم و جنوب  يقدح الفقر (و أحيانا مدقع ) و يحكم بأنظمة قلما فعلت و لو شكليا ميكانيزمات الديمقراطية ... مما يخلق احباطات جماعية تنتج حالات الفرار نحو البحر أو نحو الجبال (الإرهاب) أو نحو الإدمان على المخدرات في ظل عدم قدرة الأنظمة السياسية على الحد من تنامي التطرف الديني الذي يلغي قيم الاختلاف أو التسامح و يخلق حركيات التناطح و الصراع الاجتماعيين بل و في أحيان كثيرة بروز إرهاب اسلاموي في الجزائر (من حركة بويعلي في الثمانيات إلى حركة الدولة الإسلامية مرورا بالجماعة الإسلامية المسلحة وغريمتها الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، وصولا إلى الجماعة السلفية للدعوة و القتال قبل أن تظهر اتجاه الانضمام إلى الهلامية العالمية "القاعدة ".  في مصر (الجماعة الإسلامية للهجرة و التكفير .  في تونس و في ليبياو  في المغرب و في موريتانيا ...الخ.  كل المنطقة العربية، جنوب المتوسط،  تعيش في زمن العنف الإرهابي الذي أدى لبروز المعاهدة العربية لمكافحة الإرهاب و النص الخاص بمنظمة المؤتمر الإسلامي و كذلك عمل دول غرب المتوسط 5+5 على إيجاد آليات للتعاون ألاستعلاماتي من اجل احتواء إمكانية انتشار هذه الظاهرة المرضية العابرة للحدود .

      كما ظهرت أيضا حركيات الهجرة السرية  التي حولت دول المغرب العربي مثلا من مصدر للهجرة إلى أيضا مناطق عبور لعشرات آلاف الأفارقة الراغبين في المغامرة عبر مضيق جبل طارق  أو عن طريق الحائط الحامي لسبتة و مليلية ... أو عبر أي منفذ ممكن نحو اروبا " الأمل و الطموح " و الخلاص من الفقر و المرض  و الحروب و الأزمات الداخلية التي يعيشون فيها و يعانون منها في الساحل و في إفريقيا جنوب الصحراء خاصة مع احتمال فشل عدد من دولهم خاصة تلك المصنفة عل أنها الأقل نمو في العالم .... و هذا ما أدى بدول الضفة الشمالية للسعي نحو خلق مراكز رقابة لحركيات الهجرة في دول المغرب العربي بل و حتى اقتراح فتح مراكز اعتقال مع توفير التحفيزات المالية للمهاجرين للعودة إلى بلدانهم الأصلية .... كما تبنت هذه الدول الأوربية تشريعات وطنية صارمة فيما يخص الهجرة مع إقرار اسبانيا مثلا لسياسة الرقابة على كل الحدود SIV  بالاضافة للسياسة الأوربية المسمى بفرونتكس  FRONTEXأي حماية الحدود الخارجية و دونما نسيان .....العمل الذي تقوم به هذه الدول و خاصة اسبانيا على مستوى تطوير سياسات وقائية مع دول مثل موريتانيا و السينغال و لكن أيضا المغرب ...أو ما تقوم به المنظمة العالمية للهجرة مع ليبيا بإنشائها لمراكز إعادة المهاجرين لبلدانهم الأصلية مقابل مساعدات و تحفيزات مالية .

     فبالتالي لم تعد الإشكالية الأمنية في المتوسط مرتبطة بالتهديدات لدول بل هي تهديدات لجماعات الجريمة المنظمة أو الإرهابية و التي كثيرا ما تتقاطع مصالحها مع الجماعات المنظمة للهجرة السرية أو تجار المخدرات .... ولكن الأمن و الامننة يقتضيان بالأساس وجود تقاطع نفعي- مصلحي بين الدول المتفاعلة و ليس فقط رغبة جعل دول الضفة الجنوبية مناولة لسياسات أروبية حول الهجرة أو المخدرات ...إنها مسؤولية جماعية ....لأنه مصير مشترك و محتوم .     

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

3.67